الشيخ الطبرسي

137

تفسير جوامع الجامع

غَفَرَهُ ربِّي لي من الذُّنوبِ ، ويجوزُ أن تكونَ استفهاميَّةً أي : بأيِّ شيء غَفَرَ لي ؟ يُريدُ ما كانَ منْهُ مَعَهُم من المصابرةِ على الجهادِ في إعْزازِ دينِ اللهِ حتَّى قُتِلَ ، إلاَّ أنَّهُ على هذا الوجه " بِمَ غَفَرَ لي " بِطَرْحِ الألفِ أَجودُ وإنْ كانَ إثباتُها جَائِزاً . ( وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ ) بَعْدِ قَتْلِه ( مِن جُند ) أي : لَمْ تُنَزِّلْ لإِهْلاكِهِم جُنْداً مِن جنُودِ السَّماءِ كَما فَعَلْنا يَوم بَدر ( وَمَا كُنَّا ) مُنزِّلِيهِمْ علَى الأُمَمِ إذْ أَهلَكْنَاهم . ( إن كَانَتْ إِلاّ صَيْحَةً وَحِدَةً ) أي : لَمْ تَكُنْ مَهلَكتُهُم عن آخرِهِم إلاَّ بأَيسرِ أَمر ( صَيْحَةً وَحِدَةً ) أَخَذَ جبرائيلُ بِعُضَادَتيْ بابِ المَدينةِ وَصَاحَ بِهِم صَيْحةً فَمَاتُوا مِن آخرِهِم ، لا يُسْمَعُ لَهُم حِسٌّ ، كالنَّارِ إذا طُفِئَتْ . وكأنَّهُ قَالَ عزَّ اسمُهُ : إنَّ إنْزالَ الجُنُودِ منَ السَّماءِ من عَزَائِمِ الأُمورِ التي لا يُؤَهَّلُ لها إلاَّ مِثْلكَ يا مُحَمد ، حَيث أُنْزِلُوا يَومَ بَدر والخَنْدَقِ وما كُنَّا نَفْعلُهُ بغَيْرِكَ . وقُرئَ : " إلاَّ صَيْحَةٌ " بالرَّفع ( 1 ) على " كَانَ " التَّامَّةُ ، أي : ما وَقَعَتْ إلاَّ صَيْحَةٌ ، والقياسُ التَذكيرُ ؛ لأنَّ المعنى : مَا وَقَعَ شَيءٌ إلاَّ صَيْحَةٌ ، وَلكِن جُوِّزَ ذلكَ لأَنَّ " الصَيْحةَ " في حُكْمِ فَاعِلِ الفِعْلِ ، ومثلُهُ بيتُ ذي الرُّمَّةِ : وَما بَقِيَتْ إلاَّ الضُّلُوعُ الجَراشِعُ ( 2 ) والقِراءَةُ بالنَّصْبِ على معنى : إنْ كانَتِ الأَخِذَةُ أَو العقُوبةُ إلاَّ صَيْحَةً . ( يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ ) نُودِيَتِ الحَسْرةُ كأنَّها قيلَ لَهَا : تَعَالِ يا حَسْرَةً فهذا من أوقاتِكِ التي حقَّكِ أَن تَحْضَرِي فيهَا ، وهي حَالُ استهزَائِهِم بالرُّسُلِ ، والمعنى : أنَّهُمْ أَحِقَّاءُ بأَن يَتَحَسَّرَ عليهِم المُتَحَسِّرونَ ، أَو : هُم مُتَحَسَّرٌ عَلَيهِم من جهةِ المَلائكةِ

--> ( 1 ) وهي قراءة أبي جعفر كما في شواذ القرآن لابن خالويه : ص 125 . ( 2 ) وصدره : طَوَى النحز والأجراز ما في غروضها . والبيت من قصيدة طويلة يصف ناقةً له . راجع ديوان ذي الرمّة : ص 447 .